الرئيسية 10 كُتاب بلاغ 10 ذكرياتي مع الملك فيصل

ذكرياتي مع الملك فيصل

ذكرياتي مع الملك فيصل!

في عام 1420 درست في مدارس الملك فيصل بحي سفارات الرياض.

مدارس فسيحة ؛ القسم المتوسط ثلاث مراحل؛ وتنتظم في مبنى واحد؛ ولكل مرحلة ثلاثة فصول في محيط شبه دائري بجناح مستقل؛ ودورات مياه؛ وضمن الجناح غرفة لمعلمي الصف؛ وكذلك الوضع في القسم الثانوي وقريب من ذلك القسم الإبتدائي.

المعلمون للمواد الرئيسية للصف الواحد بغرفة مستقلة غالبا؛ ولكل معلم طاولة وكرسي دوار ودولاب طويل؛ وتسلمه المدارس الأدوات المكتبية كالدباسة والخرامة والأقلام؛ إضافة لدفتر التحضير؛ وتكون عهدة عنده يسلمها لمخزن المدرسة نهاية العام؛ وفي المخزن كل ما يشتهيه المعلم في مهنته.

وهناك معمل للتصوير والتغليف والطباعة؛ فالمعلم لا يصور ورقا ولا يغلف مذكرة؛ فقط يطلب ويتدلل؛ ويحجز موعدا لإنجاز مطلوبه؛ يحلم فتحقق أحلامه.

لاحظت أن كل الأوراق التي ينتهي الغرض منها تستخدم لمرة ثانية؛ في تدوين ملاحظات معمل الطباعة؛ على الظهر الأبيض؛ حيث تقطع على شكل مستطيل.

وفي المدارس حدائق موزعة والممرات مشجرة من الأطراف؛ وتخضع للصيانة والتنسيق يوميا وليس كل عام؛ بل كل المدراس تحت الصيانة الفورية إذ يوجد ورشة متكاملة بعمالتها وبعدة تخصصات؛ وللمدارس باصات خاصة بها.

وفي المدارس مسبح مغلق وفي مبنى المسبح ملاعب مجاورة ضمن الصالة المغلقة؛ وفي الساحة الخارجية ملعب كبير وحوله مضمار للجري ومسابقات الدراجات ونحوها؛ ويستخدم المسبح بأي ظرف؛ صيفا وشتاء.

في المدارس قاعات عدة ومكاتب فخمة وإدارات منفصلة وإشراف على أعلى مستوى؛ ولكل تخصص مشرف مقيم؛ وللمدارس ذكريات والمساحة لا تكفي لرصد كل شيء؛ لكن سأذكر الأهم.

مواقف سيارات المعلمين داخل سور المدارس؛ يدخل للمدرسة المصرح لهم فقط وهم كل المعلمين والإداريين؛ والخروج بإذن خطي من الإدارة؛ ما عدا نهاية الدوام فيتم كما الدخول.

يبدأ الدوام الساعة السادسة والنصف صباحا وينتهي الرابعة والنصف عصرا؛ وفي نهاية الدوام تجد التعاميم مطبوعة وموزعة في رفوف مخصصة؛ ولكل معلم رف خاص به؛ ولذا لكل معلم نسخة خاصة من التعاميم.

عندما تشرع المدارس بيومها المفتوح أو النشاط فإن إدارة المدارس تحدد لكل طالب ولكل معلم موقعه المطلوب منه وأحيانا بالخرائط؛ وفي الموقع يتم تحديد أرقام لتواجد الجميع؛ عبر لوحات إرشادية.

توقيع الحضور يتولى مراقبته موظف يبدأ دوامه قبل المعلمين؛ وينتظرهم داخل كبينة جوار المواقف؛ ويطل عليهم من نافذة؛ ويوقع المعلم وهو واقف على وسيجد الموظف يقدم له ورقة الحضور والانصراف على رف النافذة؛ وينتظر الموظف حتى ينتهي زمن الحضور؛ ثم يقوم بتظليل اسم المعلم المتأخر بلون فسفوري ويذهب بالورق للمدير.

ثم يوقع المتأخر عند المدير ؛ وعادة لا يتاخر أي معلم؛ وإن غاب معلم أو تأخر تكون حصص الانتظار محسومة؛ لأن آلية حصر الغياب سريعة بفعل اللون الفسفوري والتنسيق السريع.

يبدأ اليوم الدراسي في طابور الطلاب؛ ثم بقية الحصص.

يتولى الإذاعة الطلاب بإشراف المعلمين وفق جدول زمني دقيق؛ ويشارك الجميع.

في أحد الأيام عرضت على المدارس فكرة مسابقة الأوائل التسعة؛ وتستهدف تكريم أول طالب انتظاما في الطابور من كل فصل دراسي؛ وبعد رصد سري لمن اعتاد الوقوف في أول الطابور؛ وكان عدد الفصول تسعة؛ ثم أجرى طلاب إذاعتي مسابقة خاصة بأوائل الطابور؛ فحصل كل طالب من التسعة على هدية قيمة نظير سبقه للحضور؛ إضافة لهدية المسابقة التي نالها بعض الطلاب؛ إذ في حال عدم فوز الأوائل التسعة بجائزة سؤال المسابقة ينتقل السؤال لبقية الطلاب مع جائزته؛ وخصصنا تسعة أسئلة بعدد الفصول؛ إضافة لتكريم أوائل الحضور.

في يوم عصف ذهني تخيلت وجود أداة لمسابقة؛ أحببت تقديمها للمدارس؛ وهي عبارة عن صندوق كبير؛ ارتفاعه وعرضه متر ونصف تقريبا؛ وفيه مربعات وفي كل مربع إضاءة بلونين مختلفين وعدد المربعات في الصندوق ستة وثلاثين مربعا؛ صفوف متوازية ومتوازنة؛ ست مربعات في ست مربعات.

ويتم استخدام الصندوق بطرح أسئلة على فريقين من الطلاب؛ ولكل مربع أسئلة مخصصة؛ يختار الفريق الأول رقما؛ أي مربع من أحد المربعات؛ فيقوم مدير المسابقة بطرح السؤال؛ فإذا أجاب الفريق على السؤال يقوم فريق المسابقة بإضاءة نور الفريق بمربع الفريق الذي اختار سؤاله؛ وهكذا بحيث من يحقق إضاءة أكثر المربعات يفوز أو من يحقق إضاءة مربعات بخط مستقيم أو متواصل يفوز بالمسابقة.

وبهذا الأسلوب كان التنافس؛ إذ كل فريق يبحث عن إغلاق الطريق أمام الفريق المقابل له من خلال الإجابة على الأسئلة؛ ولذا يتم تحضير أسئلة احتياطية في حال العجز عن الإجابة.

لكن كيف صنعت الصندوق؟!

صنعت الصندوق على حسابي الخاص؛ ولكني احترت كيف أقوم بتركيب الإضاءة وترتيب اسلاك وأفياش الإضاءة إذ يتطلب وجود اثنين وسبعين فيشا مع الإنوار بلونين مختلفين؛ أي لكل مربع إضائتين وبلونين مختلفين.

توقفت بعد نجارة الصندوق؛ وكنت اتحدث مع مدير المدرسة؛ فقال عندنا ورشة فيها ما تريد من فنيين وأدوات وما تريده وترجوه ليس مستحيلا.

لم تؤمن المدارس أيام تدريسي بروجكتر في كل القاعات ولا سبورات ذكية؛ إذ البروجكتر غير عملي في عام 1420
وثمنه مكلف؛ والسبورة الذكية لم تعرف بعد؛ ولذا كان الصندوق أفضل أداة.

ولدى المدارس ورشة متكاملة وفنيون لكل تخصص؛ هكذا قال لي الأستاذ الفاضل سعيد الزهراني؛ فذهبت إلى الورشة وشرحت لهم ما أريد؛ وخلال ثلاثة أيام تم إكمال الصندوق؛ وتسلمته؛ وأمنت المدارس إكمال الصندوق وتحملت التكلفة المالية المتبقية.

وضع الفني على جانبي الصندوق لائحة مفاتيح الأنوار مرقمة ولكل مربع مفتاحين وإضاءة بلونين مختلفين ورقما لكل مربع ونظم الأسلاك داخل الصندوق بتنظيم رائع؛ ووضع للصندوق وجها من النويون وأغلق خلفيته ببلكاش سهل الفتح للصيانة؛ وأضاف للصندوق جمالا.

أيضا حلمت بصياغة قصة في مواضيع مقرر التوحيد فشرعت بها وكتبت أسفل القصة أسئلة متنوعة مقالية وموضوعية؛ ثم وجدت المشرف التربوي بانتظاري فعرضت عليه صياغة القصة والأسئلة التي تثيرها القصة؛ فأرشدني ووجهني وساعدني حتى اكتملت القصة القصيرة ولاقت استحسانه؛ وطبعتها للطلاب على ورق ملون بطابعتي الخاصة.

قصة قصيرة اختصرت بها ستة أبواب من كتاب التوحيد؛ وفي كتاب التوحيد الذي يدرس الآن قصة مقتبسة من قصتي التي كتبتها في مدارس الملك فيصل عام 1420 ..

ومن يراجع المقرر سابقا يدرك من الذي سبق لكتابة القصة.

لا يوجد شباك مقصف ولا مقصف؛ ففسحة الطلاب تصل للطالب وهو في الفصل الدراسي؛ فمندوب المطعم الخاص بالمدارس يحضر فسحة الطلاب قبل انتهاء الحصة بخمس دقائق؛ وكل طالب يخرج من الفصل يجد فسحته عند باب الفصل من الداخل وعلى طرف طاولة وهي بطول الفصل مخصصة لأدوات وكتب الطلاب؛ إذ لا يعرف الطالب طابور المقصف ولا السلوكيات التي يعرفها طلاب المدارس الأخرى؛ بل لا يعرف الطالب طابور المقصف ولا السندوتشات التي تصنع ليلا كما في بعض المدارس؛ ولا يعرف غش طعام المقصف المدرسي؛ ولا تقوم المدارس بتربيته على أي سلوك غير مرغوب فيه؛ أي بخلاف وضع شباك أو منتجات مقصف التعليم العام الحكومي.

فسحة الطلاب متنوعة فكل يوم نوع وكل يوم عصير مختلف.

بعد الحصة السابعة ينطلق الطلاب للبوفيه المفتوح فيجدون وجبة الغداء؛ وما لذ وطاب وكل يوم وجبة جديدة؛ وكل يوم تجديد في إعداد الوجبة؛ وينتظم المعلمون والطلاب في طابور مثالي للحصول على وجبة الغداء؛ حيث يتوزعون حسب المراحل؛ بعضهم بعد الحصة السابعة وبعضهم بعد الحصة السادسة أو الثامنة؛ ثم يختار كل مجموعة منهم طاولة؛ لتناول الغداء بكل هدوء وطمأنينة وراحة وأخوة وتقارب واحترام وتوزيع منظم.

يوزع بين فترة وأخرى استبانات تقييم لكل الأطعمة المقدمة ويتولى الإعداد طباخون داخل المدرسة.

ثم تبدأ رحلة المذاكرة وحل الواجبات؛ وقبل الانصراف يتأكد كل معلم من أداء الطالب لواجباته.

في نهاية الأسبوع يسلم للطلاب خطة دراسية لكافة المواد؛ وأي نشاط يتم رسم خطته على ورق يتسلمه الطالب قبل بدايته بوقت كافي لإستعياب المطلوب.

لم يكن العقاب البدني والنفسي حاضرا أو قابلا للحضور؛ وإن حصل يتم اتخاذ اللازم؛ ولكن العقوبات التربوية كانت أشد؛ إذ يطلب من كل معلم تدوين ملاحظاته على دفتر متابعة الطالب.

ملاحظة المعلم مهمة جدا لولي الأمر؛ وكان الطلاب يخافون من كتابة المعلم على دفتر ملاحظاتهم؛ فعقابه في البيت قاس ؛ ولكن بدون استخدام الضرب ولا التوبيخ؛ فقط الحرمان.

يطلب من المعلم كتابة الملوحظات بأساليب الحث والتوجيه؛ كأن يكتب: أرجو من الطالب الهدوء؛ أو يكتب : أرجو إحضار كذا وكذا.

بمجرد اطلاع ولي الأمر على الملاحظة يدرك السلوك غير المرحب به؛ ويتبين إهمال الطالب.

ممنوع كتابة أي ملاحظة سلبية؛ كأن يكتب المعلم بأن الطالب مشاغب؛ بل عليه ان يكتب العبارات كنصائح.

ولي الأمر معني بما يقرأ ويتصرف وفق أساليب تربوية؛ كالتشجيع أو الحرمان.

في المدارس طبيب مقيم وصيدلية وإسعاف ولا يفتر الطبيب عن أداء دوره في أي لحظة.

تجربة رائعة في تلك المدارس وحسب علمي تعتبر المدارس الوحيدة التي تطبق اليوم الدراسي الكامل؛ والمواقف كثيرة والمساحة لا تكفي لسرد كل شيء؛لكن لن يكون خالد الفيصل بعيدا عن التجربة وصداها؛ إذ تشرف على المدارس جمعية الملك فيصل الخيرية والمدارس ليست ربحية؛ رغم تحصيل رسوم دراسة الطلاب كل عام.

شاكر بن صالح السليم

شارك برأيك حول الخبر باضافة رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.