الرئيسية 10 كُتاب بلاغ 10 ( اعتنق الصمت )

( اعتنق الصمت )

قديما قيل: الإنسان ابن بيئته، صحيح..

فالمتأمل في تعامل شرائح الناس مع المواقف التي تمر بهم يجد هناك تباين واضح في كيفية التعاطي مع تلك المواقف ، علما بأن الحدث واحد بين هذا الشخص وذاك، ولكن التربية تتضح في السلوك وطريقة التعامل، وكأني بك أخي القارئ الكريم تسأل: كيف أميّز بين الناس في ضوء ذلك ؟الإجابة سهلة وميسورة ، في حال وقوع موقف مع شخص ما، فمن رده تعرفه ، إذا رأيتَه ينتقي عباراته كما يُنتقى أطايب الثمر فهذا دليل على رجاحة عقله، و يكون ذو خلق رفيع، أما رأيتَه يرمي بالعبارات يمنة ويسرة، كالعيارات النارية فاعرف بأنه ذو خلق وضيع، أجوف لا عقل له، إذاً كيف التعامل معه و مع أمثاله من السفهاء ؟ دونك الإجابة من كتاب الله، قال تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } الآية، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة والتواضع لله ولعباده، { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ } أي: خطاب جهل بدليل إضافة الفعل وإسناده لهذا الوصف، { قَالُوا سَلَامًا } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله، وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير ومقابلة المسيء بالإحسان والعفو عن الجاهل ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال.

فهذه الآية الكريمة وجهتنا إلى الطريق الصحيح في التعامل مع السفهاء ، فالإعراض عن السفيه خير من التمادي في الحديث معه. لذلك يقول الشافعي – رحمه الله:

يخاطبني السفيه بكل قبحٍ

فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة فأزيد حلما

كعود زاده الإحراق طيبا.

ومن مفردات الاستمتاع بالحياة تجاهل الحمقى

فيأخي الكريم أوصيك بثلاث، وأحذرك من ثلاث: أوصيك بالتسامح، والتغافل، والإحسان للناس، فعاملهم بأخلاقك أنت لا بأخلاقهم، وحذاري من الاسترسال بالحديث مع السفيه، لأن أول كلامه – مع قبحه – هو أحسن ما عندهُ فماذا تتوقع آخره؟!

إليك – أخي الكريم – هذا الموقف بين أحد ممن اعرف وزميل له، حصل بينهما بعض الاختلاف في وجهات النظر، فلما احتدم النقاش من الطرف الآخر – علماً بأن الاختلاف في الرأي لايفسد للود قضية – ترك زميل صاحبنا لنفسه ، ولأفكاره السلبية العنان لأن تقوده، وأخذ يهذي بعبارات سيئة، فتبين المعدن الحقيقي لذلك الشخص، فالمواقف كالنار يتميز بها الذهب من الحديد، ومعادن الرجال تظهر كالشمس .

لذا لا يخرجك – أخي القارئ – السفيه بجهله عليك من القيم التي تربيت عليها مهما كانت عباراته قاسية، وتذكّر بأنّ الصواعق لا تضرب إلا القمم،

لا تستخدم أسلوبه في الرد عليه، فلا تكن ممّن يجمع علم العلماء، وحكم الحكماء، ويجري في مجرى السفهاء، اعتنق الصمت .

وأخيرا وليس آخرا، أحتسب الأجر من الله مما قد يصيبك من أذى، واعلم – أخي المبارك – أن الرسول ﷺ لم يسلم من أذى السفهاء، ولنا فيه الأسوة والقدوة.

أخي الفاضل: ادفع بالتي هي أحسن وامضي إلى سبيلك وابشر بموعود الله لمن حسن خلقه، فعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : ( أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في رَبَضَ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ ) حديثٌ صحيحٌ، رواه أَبُو داود بإِسنادٍ صحيحٍ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

محبكم

علي بن صالح الوقيان