الرئيسية 10 اخبار عالميه 10 فيروس كورونا: متطوع في تجارب جامعة أكسفورد لتطوير لقاح ضد كوفيد-19 يروي قصته

فيروس كورونا: متطوع في تجارب جامعة أكسفورد لتطوير لقاح ضد كوفيد-19 يروي قصته

بلاغ _ الصحة

بدأ الضباب يتكثف على عدسات نظارتي وأنا أجلس في قسم استقبال المرضى بأحد المستشفيات. وقبل دقائق قليلة كنت أهرول في الشوارع متأخرا عن موعدي، بينما كان الأطباء والممرضون يمشون بتمهل في طريقهم للمستشفى، وكنت أدرك أنني لا أبدو على ما يرام.

وأتذكر أن آخر مرة زرت فيها مستشفى سانت جورج جنوبي لندن كان يوم مولد ابنتي، لكن هذا المستشفى بدا اليوم مختلفا تماما. وكانت رائحة محلول الكلور نفاذة لدرجة أنها اخترقت القناع على وجهي، وأُغلق المقعد المجاور لي بشريط لاصق حتى لا يجلس عليه أحد.

واقترب اثنان من الطاقم الطبي يرتديان الكمامة، وملابس غرف العمليات، وكان أحدهما يحمل لافتة تشبه لافته سائقي سيارات الأجرة، كتب عليها “تجربة اللقاح”.

ومشيت وراءهما ببطء محافظا على مسافة المترين. فاليوم سأخضع للفحوص الأولية التي يجريها الأطباء على المتطوعين في تجربة جامعة أكسفور لاختبار لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، وستتاح لي الفرصة في الأسابيع المقبلة للمشاركة في أحد الجهود العالمية الواعدة لمكافحة وباء كورونا. وتأتي تجارب جامعة أكسفورد في صدارة الجهود العالمية لتطوير اللقاحات حول العالم.

وقد أعلن الباحثون في 20 يوليو/تموز عن نتائج أولية مبشرة للغاية بعد تجربة اللقاح على 1,077 متطوعا، تدل على أن اللقاح آمن ويثير استجابة مناعية. وأصدرت سارة غلبرت، من جامعة أكسفورد، بيانا قالت فيه: “لا يزال الطريق أمامنا طويلا، لكن النتائج الأولية مبشرة”.

وتتضمن الخطوة اللاحقة توسيع نطاق التجربة لتشمل آلاف المتطوعين من المملكة المتحدة والبرازيل وجنوب أفريقيا، وسيحصل المتطوعون على جرعات أكبر من اللقاح. وقد كنت واحدا من أولئك المتطوعين في هذه المرحلة من التجارب السريرية لاختبار فعالية اللقاح.

الفحص الأولي

بدأت رحلتي مع تجربة اللقاح في مايو/أيار الماضي عندما قرأت تغريدة لأحد الباحثين في الفلسفة بجامعة أكسفورد عن أبحاث اللقاح التي كنت قد سمعت عن التقدم السريع الذي حققته. وأعلن هذا الباحث أنه سيتطوع في التجارب السريرية، وقررت على الفور أن أملأ استمارة التطوع على موقع جامعة أكسفورد.

وبعد أسابيع، أجلس الآن في أحد أقسام المستشفى الذي خصص لتجارب أكسفورد، وأشاهد على إحدى شاشات العرض الكبيرة، ماثيو سنيب، أحد كبار العلماء المشرفين على التجربة، يشرح للمتطوعين خطواتها بالتفصيل، وقائمة بالأمور المباحة والمحظورة، وكيف يعمل اللقاح في الجسم والأعراض الجانبية المتوقعة.

ويشارك في هذه التجربة 10,000 متطوع، يقسمهم الباحثون عشوائيا إلى مجموعتين، تتلقى الأولى لقاحا لا يقي من فيروس كورونا، بينما تتلقى الأخرى اللقاح قيد التجربة.

ويعتمد لقاح أكسفورد على عينة ضعيفة (أضعف الباحثون تأثيرها) من الفيروس المسبب لنزلات البرد تصيب الشمبانزي عادة. وقد بدأ فريق الباحثين العمل على تطوير هذا اللقاح قبل ظهور الوباء، بقصد مكافحة متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرز) وإيبولا. ولهذا كانت استجابة الفريق سريعة لأزمة وباء كورونا المستجد. وفي الشهور الأولى للعام الحالي، عندما بدا للعالم أن هذا الوباء لن يزول قريبا، ركز فريق جامعة أكسفورد جهوده على التصدي لوباء كورونا المستجد.

المرحلة القادمة من تجربة أكسفورد ستتضمن متطوعين من البرازيل التي تفشى فيها فيروس كورونا المستجدمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionالمرحلة القادمة من تجربة أكسفورد ستتضمن متطوعين من البرازيل التي تفشى فيها فيروس كورونا المستجد

وبحسب سنيب، فإن الفريق استخلص هذه السلالة من الفيروسات من قرود وعدلها وراثيا ليصبح تكاثرها في أجسام البشر مستحيلا. وأضافوا إليها جينات من فيروس كورونا المستجد تنتج بروتينات معينة على سطحه. ويأمل العلماء أن يتعلم الجسم التعرف على هذه النتوءات البروتينية وينبه الجهاز المناعي لمهاجمتها، للحيلولة دون دخول فيروس كورونا إلى خلايا الجسم البشري للتكاثر فيها.

ويقول سنيب إن نصف المتطوعين سيحصل على اللقاح، بينما ستحصل المجموعة الأخرى على لقاح آخر مرخص، وهو “نيمنريكس” أو “مينفيو”، واللقاحان يستخدمان للوقاية من الالتهاب السحائي أو تسمم الدم. وقد اختير اللقاح الثاني لمجموعة المقارنة بدلا من استخدام لقاح وهمي، حتى يشعر المتطوعون في هذه المجموعة ببعض الآثار الجانبية للقاح حقيقي، ولا يكتشفون أنهم ينتمون للمجموعة التي لم تحصل على لقاح كورونا.

ومنذ عام 2015، يتلقى المراهقون في المملكة المتحدة بانتظام لقاح الالتهاب السحائي، ويحصل عليه أيضا المسافرون إلى المناطق التي تزداد فيها مخاطر انتشار المرض، مثل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتشترط المملكة العربية السعودية تقديم شهادة تثبت تلقي تطعيم الالتهاب السحائي قبل دخول أراضيها في موسم الحج.

وأخذت أسترجع تاريخي المرضي، وما إن كنت أعاني من أعراض فيروس كورونا المستجد أم لا. وبعد الحصول على عينة من دمي، أعطاني الفريق قائمة بالإجراءات التي تستوجب موافقة المتطوع مسبقا، مثل السماح بتصوير موقع الحقن، وعدم التبرع بالدم، وفي حالة المتطوعات، أن يوافقن على استخدام موانع حمل فعالة. وأخيرا أن أوافق على أن تكون عينة التحليل، أيا كان نوعها، هدية للجامعة.

وعندما عدت للمنزل، شعرت أنني كلما ازدادت معرفتي بالتجربة، ازداد خوفي من تبعاتها. فقد كان من الضروري، كشأن جميع التجارب السريرية، تعريف المشاركين بجميع الآثار الجانبية المحتملة، بدءا من المعتدلة كالدوار والصداع، وحتى الشديدة والنادرة مثل متلازمة غيلان باريه، التي تسبب الضعف الشديد وربما الوفاة. ورغم أن نسبة هذه المخاطر طفيفة، إلا أن الاستماع لها جميعا في وقت واحد أصابني بالخوف.

واستعرض الباحثون أيضا بعض المخاوف النظرية من أن اللقاح قد يفاقم أعراض فيروس كورونا، إذ أشارت بعض الدراسات التي أجريت على حيوانات تلقت لقاحات تجريبية لمتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد والوخيم (سارس)، إلى أن اللقاح فاقم التهاب الرئتين عند الإصابة بالمرض. ولحسن الحظ لم تظهر دراسات لقاح أكسفورد على الحيوانات نتائج مشابهة.

لكنني شعرت بشيء من الاطمئنان، عندما علمت أن آلاف المتطوعين الذين تلقوا لقاح جامعة أكسفورد التجريبي لم يصابوا بأي آثار جانبية شديدة.

يوم التطعيم

وفي الأسبوع اللاحق عدت لمستشفى سانت جورج، لكن هذه المرة للحصول على التطعيم، وكنت أخشى من استبعادي من التجربة.

إذ أخبرتني الطبيبة إيفا غاليزا، قبل أن تغادر الغرفة أن هذا هو اليوم الأخير في تجارب أكسفورد بمستشفى سانت جورج، وقد أوشكت عينات اللقاح على النفاد.

بعض أوائل المتطوعين من جنوب أفريقيا، حيث تجري جامعة أكسفورد تجارب لاختبار فعالية لقاح كورونا المستجدمصدر الصورةEPA
Image captionبعض أوائل المتطوعين من جنوب أفريقيا، حيث تجري جامعة أكسفورد تجارب لاختبار فعالية لقاح كورونا المستجد

وبعد استعراض تاريخي المرضي، أخذ الفريق عينة دم أخرى، وأخبرتني غاليزا، وهي باحثة في لقاحات الأطفال ومشاركة في فريق أكسفورد، أنها لا تعرف شيئا عن الخطوات اللاحقة.

ولضمان دقة نتائج التجربة، لا يعرف الأطباء أيضا في الفريق ما إن كان اللقاح الذي يحقنون به المشاركين هو اللقاح التجريبي أم لقاح الالتهاب السحائي.

وبينما كنت بمفردي، راودتني أفكار وهواجس عديدة. ففي إنجلترا، حيث أعيش، كان من المقرر تخفيف إجراءات الإغلاق في اليوم اللاحق، إيذانا بفتح المتاجر والشركات والحانات وصالونات الحلاقة، وهذه التغيرات المرتقبة تبعث على الإثارة والقلق في آن واحد.

وتذكرت أصدقائي وأفراد عائلتي في مختلف أنحاء العالم، فبينما يستمتع بعضهم بالعيش بحرية في بلد خال من الفيروس، فإن آخرين لا يزالون مهددين بمخاطر الإصابة في بلد لا يزال فيه معدل الوفيات آخذا في الارتفاع.

ففي الولايات المتحدة، حيث أمضيت معظم العام الماضي، تشير التقارير الإخبارية إلى أن الحصيلة اليومية للإصابات قفزت في أربعة أيام منفصلة في أسبوع واحد إلى أكثر من 40,000 شخص. واقترب عدد الإصابات في البرازيل من 1.5 مليون حالة إصابة.

ويعد انتشار الوباء في البرازيل واحدا من الأسباب التي دفعت فريق أكسفورد لتوسيع نطاق التجارب لتشمل متطوعين من البرازيل وجنوب أفريقيا.

وسيكون المتطوعون في المملكة المتحدة، في الوقت الحالي على الأقل، أقل قدرة على إثبات فعالية اللقاح، مقارنة بمتطوعين آخرين في بلد لا يزال المرض فيه متفشيا.

وعادت غاليزا إلى الغرفة ومعها اللقاح. وبعد ثوان من حقني، دخل اللقاح إلى مجرى دمي، ولن أعرف نوع اللقاح الذي حقنتني به إلا بعد انتهاء التجربة.

مسحات وترقب

تنطوي المرحلة التالية من تجربة اللقاح على خطوات عديدة تستغرق وقتا طويلا. إذ انقسم المشاركون إلى مجموعات، كلف كل منها بالإبلاغ عن الأعراض، وبإجراء فحوصات ومسحات وتحاليل دم وفقا لجدول خاص بها.

وكان يتوجب علي بحسب الجدول أن أُدخل عودا إلى منطقة اللوزتين لمدة 10 ثوان، دون أن يلمس أسناني أو لساني، ثم أضع نفس العود في أنفي إلى أعمق نقطة قدر المستطاع. ويقال إن مسحة الأنف إذا أجريت بشكل صحيح، ستشعر بدغدغة في رأسك.

ثم أضع المسحة في كيس محكم الغلق داخل صندوق خاص وأضعه في أحد الصناديق التي خصصتها هيئة البريد الملكي للطرود العاجلة في جميع أنحاء المملكة المتحدة لإرسال تحاليل كورونا. وبعد بضعة أيام أتلقى رسالة هاتفية بأن نتيجة التحليل سلبية.

وأرفق مع المسحة استبيانا حول سلوكياتي في الأسبوع السابق، مثل عدد الأشخاص من خارج أسرتي الذين قضيت معهم أكثر من خمس ساعات، وما إن كنت استخدمت المواصلات العامة أم لا.