الرئيسية 10 كُتاب بلاغ 10 أمة الوسط .. لم تعد وسطا!؟

أمة الوسط .. لم تعد وسطا!؟

أمة الوسط .. لم تعد وسطا!؟

بسم الله والحمد لله وسبحانه القائل “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً” ..

وصلى الله وسلم على نبي الهدى ورسول الدين الإسلامي الوسطي الذي قال« ألا هلك المتنطعون » قالها ” ثلاث مرات” بحسب راوي الحديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه..

وقد قال الإمام النووي في تعريف المتنطعين : المتعمّقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم”.

ومع كل هذا التوجيه الرباني والنبوي إلا أننا نعيش في مرحلة موحشة بات فيها الشعار الأساسي شعار بوشي! نسبة لجورج بوش الابن الذي قال بعد أحداث منهاتن2001: إما معنا أو علينا؟

يا للعجب؟

ما بالكم يا أمة محمد يأتيكم أمر خالقكم وتوجيه نبيكم بأن تكونوا أمة وسط واعتدال في أقوالكم وأفعالكم فتستبدلون هذا الخير بالذي هو أدنى وهو الشعار البوشي الآنف.

بات شعار المرحلة كما أسلفنا يُرهب كل من يحاول الاقتداء بالهدي النبوي في الاعتدال والحياد في قضايا المسلمين مع بعضهم البعض وأصبح المعتدل في مرمى اتهامات تصل حد الخيانة! في خلافات بشرية لا يقين البتة عند طرف دون آخر..

نحن كمجتمع سعودي بصفة خاصة نعاني الأمرين من الإرهاب منذ منتصف التسعينات الميلادية وذهب لنا شهداء بالمئات دافعوا عنا ضد بشاعة الارهابيين والمجتمع الذي عانى الارهاب يُفترض أن يكون بعيداً عن الارهاب الفكري تجاه كل وجهة نظر مخالفة لرؤيته ،لأنه تعلم الدرس من الإرهاب الأكبر !!

في عصر الصديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما لم تكن الساحة الفكرية بمنأى عن الخلافات والتي تصل حد الاعتراض على سياسة الخليفة ولم يكن يُواجه هذا المعترض إلا بآذان صاغية فالصديق قال: إن احسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.

والفاروق كان بينه وبين رجل كلام في شيء ، فقال له الرجل : اتق الله يا أمير المؤمنين ، فقال أحد الحضور للرجل : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر-رضوان الله عليه -دعه فليقلها لي .. نعم ما قال ، ثم قال عمر : لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم.

هذا حدث أمام خليفتين من العشرة المبشرين بالجنة!!

أما واقعنا اليوم في عصر التقانة ووسائط التواصل التي يفترض أننا كبرنا معها ثقافة وفكرا وتطورت آفاقنا ، فإننا فيها للأسف لا نحتاج مزيدا من الجهد لكشف عوارنا الثقافي والفكري،إذ يكفي أن تُمنشن في التويتر أحد المتحمسين معترضاً على وجهة نظره أو بعض وجهة نظره في قضايا الساعة ليسن حروفه وحروف متابعيه عليك حد الوصول لاتهامك بكل تهمة تقربك للخيانة العظمى للدين والوطن والأخلاق وكل ما يتوفر عليه قاموسه ساعة الغضب.

هذا الاستقطاب والتجييش الذي يشعله مرتزقة متزلفون ووقوده بسطاء إدراك وتفكير فرق مجتعمنا أكثر مما كان مفرقاً من قبل..

ووصلنا في هذه المرحلة الذهبية للاستقطاب حد أنه يجب أن تقول رأيك ويجب أن يكون هذا الرأي “قص ولصق” لرأيهم مع التنويه أنك لست بمنأى عن الاتهامات إن أنت اخترت الصمت عن الخوض في قضايا معقدة الفهم.

في هذا العصر التقني المتخم بنوافذ حرية تُدلي فيها برأيك بكل أريحية واستقلال لا تنجو كثيراً من ثقافة الوصاية على نوافذك الخاصة في ( السوشل ميديا) فتأتيك استفهامات على شاكلة: لماذا تكتب هذا ؟ ولماذا لا تكتب ذاك؟ ولماذا صمت؟

وثقافة الوصاية هي نتيجة لبعدنا عن التوجيه النبوي بالالتزام بالوسطية والتي يفترض أنها تضع أمامك حدوداً لا تتجاوزها في سبيل المحافظة على حرية الآخرين والذي هم أيضاً مفترض عليهم ان يلزموا حدوداً معينة تجعلهم لا يقصونك ولا يملون عليك ما يجب عليك فعله .

بسطاء الإدراك للأسف هم وقود هذه المرحلة الفكرية العصيبة في مجتمعنا..

وقد يسأل سائل لما هذه النظرة الدونية حيث حكمت عليهم أنهم بسطاء؟؟

فأقول: لأنك تجدهم يرون الوسطية عبارة عن “تناقض” هم يريدونك إما مع أو ضد وكأننا في معارك عقدية! فبساطتهم تأتي في رأيي من نظرتهم الأحادية للأمور ما يرجح أنهم باتوا ضحايا رموز تيارات فكرية تتصارع بالساحة غارقة بالاتهامات والإقصاءات وهذه الرموز ومن واقع معاركهم الثقافية رموز لا تؤمن بوجود حياد! ولذا تجد البسطاء من مريديهم يقصون حتى المتحفظين على الإدلاء برأي..

إن المرء ليتعجب ،إذ لا يمكنه التصور أنه عاش إلى اليوم الذي يرى فيه الحياد تهمة! لا مزية..

والأعجب أنك تجد في الساحة من يتهمك بالتحزب لمجرد اختلاف رأيك عن رأيه ولهذا الإنسان نوضح فنقول:

التحزب المذموم ليس خاص بأيدلوجيا معينة،فحتى أنت عندما لا ترى في الكون رأيا صالحا إلا رأي تيار معين فقد وقعت بالحزبية التي هي باختصار: أن تنجرف لتيار معين من التيارات الموجودة بالساحة ولا تكتفي بهذا بل وتشيطن! كل أعداء تيارك..

ثم أن الجدل مع من يرى الأمور بخلاف رؤيتك يجب أن يكون وفق التوجيه القرآني –بالتي هي أحسن -فلا تُخونه ولا تدعشنه ولا تسفهه وإلا فجدالك عبث ضائع لا طائل وراءه ولا جدوى من الاستمرار فيه.

في الساحة مشاهير من تتبع مسيرتهم يعي حجم العداوات الشخصية بينهم وهذه العداوات وظفها هؤلاء عبر قضايا الساعة ليجرموا خصومهم ويستعدون الحكومات والشعوب عليهم تحت ستار شعارات حب الوطن ومصلحة الأمة ،وعلى “العاقل” أن يدرك هذه الحقيقة لكي لا يكون سلاحاً طائشاً بيد أحد هذه الأطراف المتنازعة تنازعا شخصيا في الغالب..

لعل فحوى مشكلتنا التي نحن بصددها هي مشكلة العقل البشري عموماً كما قال عنه أينشتاين أنه:

يريد أن يُخضع الكون كله للمقاييس التي اعتاد عليها في حياته والمصيبة الأعظم هي إيمان هذا العقل البشري أن المقاييس النسبية التي بحوزته هي من البديهيات!! التي لا يجوز الشك فيها..*1

ولابن خلدون مقولة عظيمة صالحة كدستور لكل من استفزه قول أو فعل ما ،وهي مقولة تحث على الوسطية وعدم الإنحياز بتعصب لأمر ما ونصها هو:إذا نظرت بعين –الإنصاف-عذرت الناس أجمعين.*2

وهنا يجدر بنا أن نتطرق لمقاييس الحسن والقبيح عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي إذ قال: الأخلاق من الأمور النسبية الاعتبارية فليس فيها حسن أو قبيح بذاته! لاعتياد الإنسان أنه يصف الحسن أو القبيح بحسب ما يوافق غرضه أويخالفه.. فشغف الإنسان بنفسه يجعله يؤمن أن فرضياته للحسن والقبيح يقينيات! ويتجاهل أن غيره من الناس قد تختلف فرضياتهم للحسن والقبيح عنه ولهذا الاختلاف الطبيعي بالنسبة للبشر قال الغزالي لو تركنا هذا الأمر فوضوياً بين الناس لضاعت المقاييس ولذا يحتم على الجميع أن يعتمدوا على شرع يأتي من وراء الغيب ليرشدهم إلى ماهو حسن وقبيح في أقوالهم وأفعالهم.*3

عزيزي القارئ إن جولة سريعة تأخذك في وسائل التواصل ستجد فيها فضاعة ما وصلنا له في فجور الخصومة حتى بين أبناء الحي الواحد! لمجرد خلافات رأي أو حسابات سياسية متغيرة لا دائمة وكل هذا بفعل عدم الإيمان الداخلي بحق الآخرين بتبني رأي مخالف لرأينا بل نُسرف بالمنافحة عن رأينا وكأنه استنباط لآية كريمة من القرآن الكريم..

كما نتجاهل عند الخوض في “التعقيدات السياسية” أنها تعقيدات لن تدوم مهما طالت وحينها وعند انقشاع تلك التعقيدات سيندم أشد الندم كل من أساء أو شتم أو خاض في عرض أو تعرض لأموات وسيعرف حينها أن بعده عن –الوسطية-أوقعه في المهالك وقربه من –الوسطية-إن لم تنفعه فالأكيد أنها لن تضره.

وقفة:

الوسطية في كل شيء هي الرسالة الأسمى. “مارشال ماكلوهان”

المراجع:

*1 من كتاب مهزلة العقل البشري لعلي الوردي ص167

*2 من مقدمة ابن خلدون ص559 “طبعة البيان العربي”

*3 كتاب “الأخلاق عند الغزالي” لزكي مبارك ص91_92

سلطان عبدالرحمن الفراج

Saf65@live.com

@sultanalfaraj

عن بلاغ

صحيفة بلاغ الإلكترونية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .